الشيخ محمد رشيد رضا

361

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

واما النفي من الأرض فيحتمل لفظ الآية فيه ان يكون عقوبة معطوفة على ما قبلها . وان يكون « أو » بمعنى « الا ان » أي جزاؤهم ما ذكر قبل الا ان ينفوا من الأرض بالمطاردة ويخرجوا من دار الاسلام إلى دار الحرب التي لا حكم ولا سلطان للاسلام فيها . وهذا قول ابن عباس رواه ابن جرير عنه وعن السدي . وعن الليث بن سعد ومالك بن أنس أنهم يطلبون حتى يؤخذوا أو يضطرهم الطلب إلى دار الكفر والحرب إذا كانوا مرتدين . وأن المسلم لا يضطر إلى الدخول في دار الكفر . والمعنى على القول الأول المختار أن ينفى المحاربون من بلدهم أو قطرهم الذي أفسدوا فيه إلى غيره من بلاد الاسلام - أي إذا كانوا مسلمين ، فإذا كانوا كفارا جاز نفيهم إلى بعض بلاد الاسلام وإلى بلاد الكفر ، لأن لفظ الأرض في الآية يحتمل ان يكون التعريف فيه لبلاد الاسلام ، وان يكون لما وقع فيه الفساد منها . وحكمة نفيهم إلى غير تلك الأرض وراء كون النفي عقابا ظاهرة ، وهي ان بقاءهم في الأرض التي أفسدوا فيها يذكرهم ويذكر أهلها دائما بما كان منهم ، وهي ذكرى سيئة قد تعقب ما لا خير فيه . وروى ابن جرير هذا التفسير للنفي عن سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز . وقيل : ينفى إلى بلد آخر فيسجن فيه إلى أن تظهر توبته ، وهو رواية ابن القاسم عن مالك . وقيل : ان النفي هو السجن وهو مذهب أبي حنيفة ، وهو اغرب الأقوال . فالحبس عقوبة غير عقوبة النفي والاخراج من الأرض تحتاج إلى دليل . والمقام مقام بيان حدود اللّه لا التعزير المفوض إلى أولي الامر . وقد ورد ذكر العقوبتين في بيان اللّه لنبيه ما كان يكيد له المشركون بمكة ، وذلك قوله تعالى في سورة الأنفال ( 8 : 30 وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ) روى أصحاب التفسير المأثور ان عمه أبا طالب سأله : هل تدري ما ائتمروا بك ؟ قال ( ص ) « يريدون ان يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني » هذه أربع عقوبات للمحاربين المفسدين في الأرض ، اختلف علماء السلف في كيفية تنفيذها فقال بعضهم : هي للتخيير ، فللامام ان يحكم على من شاء من المحاربين المفسدين عند التمكن منهم بما شاء منها ، وقال الجمهور : انها لتفصيل أنواع العقاب لا للتخيير ، جعل ( تفسير القرآن ) « 46 » ( الجزء السادس )